فخر الدين الرازي
101
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، والمؤمن بالضد منه . والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه . والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره اللّه ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه اللّه بذلك ، والمؤمنون بالضد منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله : وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال : أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ وذكر حرف السين في قوله : سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوما ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [ مريم : 96 ] لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [ النساء : 152 ] . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 72 ] وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره في هذه الآية على سبيل التفصيل ، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة ، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء . فأولها قوله : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فتكون مساكنهم في جنات عدن ، ومناظرهم الجنات التي هي البساتين ، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن ، أنها تجري مجرى الدار التي يسكنها الإنسان . وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى البساتين التي قد يذهب الإنسان إليها لأجل التنزه وملاقاة الأحباب . وثانيها : قوله : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن . قال الحسن : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فقالا : على الخبير سقطت ، سألنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو قصر في الجنة من اللؤلؤ ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون فراشا ، على كل فراش زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع » وعن ابن عباس أنها دار اللّه التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر . وأقول لعل ابن عباس قال : إنها دار المقربين عند اللّه فإنه كان أعلم باللّه من أن يثبت له دارا ، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قلت يا رسول اللّه حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال : « لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت . فيها النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه » وقال ابن مسعود : / جنات عدن بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وبطنان الأودية المواضع التي يستنفع فيها ماء السيل واحدها بطن ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء